• الموقع : حسن بن فرحان المالكي .
        • القسم الرئيسي : المقالات والكتابات .
              • القسم الفرعي : مقالات وكتابات .
                    • الموضوع : أسرار لا يفهمها الدعاة (3) المعرفة لا الجمهور هي هدف الأنبياء.. فافهم أيها الداعية .

أسرار لا يفهمها الدعاة (3) المعرفة لا الجمهور هي هدف الأنبياء.. فافهم أيها الداعية

جريدة الكويتية
الشيخ حسن فرحان المالكي


سبق في الحلقات الماضية أن ذكرنا الأدلة على أن جعل الجمهور هدفاً يتمحور حوله الداعية أو الشيخ أو المؤلف هو نوع من العبادة الخفية للنفس ولهذا الجمهور، ولذلك يريد الله أن تكون له وحده، أن تعبده وحده، بالتركيز على المعلومة الصحيحة، وهذا يتضمن معرفة معايير هذه الصحة، حتى
لا تقفو (تتبع) ما ليس لك به علم، فالبلاغ المبين يكون لما تعرف يقيناً أنه «علم»، وليس البلاغ المبين للجهل أو المظنون، فلا فائدة من تبليغ الجهل والظن، ولا يمكن أن تفصل العلم عن الظن أو الجهل إلا بمعايير صحيحة، تعرف بها الحق والباطل.

آيات في الهدف المعرفي:
ولذلك يعيد الله التذكير دائماً بالمهمات والأهداف الأساسية للأنبياء، تلك الأهداف والمهمات التي نسيها الدعاة

الجماهيريون فيقول:
- «وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ» (آل عمران/20) فلا عليك من الناس، فالله هو البصير بهم، أنت بلّغ الحق كاملاً غير منقوص، ودع العباد لي، فأنا البصير بهم، أنا الذي يعرف من تكبر ومن تواضع، من فهم الحجة ومن جهلها،.. إلخ.

- «فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ» (الرعد/40) حسابهم عند الله لا عندك، ولا يظلم ربك أحداً، فمن وظف نعم الله عليه من سمع وبصر وعقل وضمير نجح، ومن أعطاها لغيره من مذهب أو شيخ أو تيار أو سياسة فيتحمل المسؤولية، ومن عجز في توظيف هذه النعم لظروف، فالله هو الذي عليه الحساب ويعرف المعذور الجاهل ومن ظلم نفسه بعد أن قامت عليه الحجة.

- «فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (هود/12) أنت نذير، فلا تتحرج من ذكر المعلومة كما هي، ودع مطالب الناس التعجيزية، فالله هو الغني عنهم وهم الفقراء إليه.

- «وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آَيَةٌ مِنْ رَبِّهِ إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ» (الرعد/7).
- «فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ
(الغاشية/21، 22)
- «إنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ»  (البقرة/119).
- «هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ». (الجمعة/2).

- «إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ (فاطر/22، 23).
إذن، فهذه الآيات وأمثالها، تجعل المعلومة هي الهدف بلاغاً وإنذاراً وتبشيراً وتعليماً، لأن اقتران التحذير من الناس مع التشديد على البلاغ المبين ما معناه؟ معناه أن البلاغ يكون للمعلومة الصحيحة التي قد تغضب الناس أو تفرقهم عنك بعد اجتماع... إلخ.

وما أشد افتراق الناس بعد اجتماعهم على قلب الإنسان، ولكن الله يريد هذا، يريد أن تكون المعلومة أمام عينيك، تحميها من كل المؤثرات، فلا تهتم بالناس في ما يؤثر بالمعلومة، وإنما تهتم بإيضاح هذه المعلومة وتختار لها أنجع الأساليب ليتم (البلاغ المبين) مضموناً وشكلاً، لكن يبقى المضمون هو الهدف، أما الشكل فيدخل في الأسلوب.

ينسى أكثر الدعاة والخطباء والفقهاء أن مهمتهم هو الحق والتحقق منه، ثم إبلاغه للناس بلاغاً مبيناً واضحاً لا لبس فيه ولا غموض، فالأبيض أبيض، والأسود أسود، والمجهول متوقف فيه، فلا تقفُ ما ليس لك به علم، وليس المطلوب أن تقفو ما ليس لك به علم، وإنما تنقل ما ليس لك به علم، ولن يكون لك بالشيء علم إلا إذا تحققت منه، وبحثته، واستعنت بمصادر المعرفة الحقة في معرفته، ليكون لك به علم ثم تقفوه (أي تكون قفاه وهو أمامك = تتبعه).

اعلم ثم بلّغ هذا العلم، أما أن تجهل ثم تبلغ هذا الجهل فهذا ليس البلاغ المبين الذي يطلبه الله منك، فانتبه للخطوة الأولى، وهو العلم والمعرفة، ولا تتجاوز ذلك إلى النشر إلا بعد إحكام المعلومة، كالأنبياء تماماً، فهل يبلغون علماً أو جهلاً؟ هل يراعون أقوامهم فيتدرجون في النهي من صنم لصنم حتى تنتهي الأصنام كلها؟ أم ينهون عنها دفعة واحدة حتى لو غضب آزر أو أبولهب؟!

هل خرج النبي، صلوات الله عليه وسلامه، إلى الطائف ليدعو ثقيف قبل أن يدعو قريش؟! هل من العقل والدين أن يقال للنبي صلوات الله عليه: لماذا لا تتوازن وتذم كفر هوازن وثقيف وبني تميم، كما تذم كفر قومك قريش؟!
البدء بالذات بالأقربين هو الأمر الإلهي «وأنذر عشيرتك الأقربين».

«ولتنذر أم القرى وما حولها».
بداية النبي ثم الداعية - وفق المنهج الإلهي - تبدأ من إنذار الأقربين، والبلد الذي أنت فيه، «لأن المعلومة هي الهدف»!
أما المنهج الجاهلي فالبداية والنهاية بذم القبيلة البعيدة والبلاد البعيدة، والسكوت الكامل عن الأقربين، «لأن الجمهور هنا هو الهدف»!
                            (يتبع)

  • المصدر : http://www.almaliky.org/subject.php?id=297
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2013 / 03 / 23
  • تاريخ الطباعة : 2019 / 07 / 22