• الموقع : حسن بن فرحان المالكي .
        • القسم الرئيسي : المقالات والكتابات .
              • القسم الفرعي : تغريدات .
                    • الموضوع : هل سمعتم بجريمة النفور؟ .

هل سمعتم بجريمة النفور؟

النفور المذموم هو الاستكبار والمكر؛ فما النتيجة؟
النتيجة أن نسلك سبيل الأمم الهالكة؛ فهذه سنة الله؛ وليس لله تدليل خاص لنا؛ فكبرنا ومكرنا سيهلكنا كما أهلك من قبلنا؛ وهذا هو الواقع المرير؛ فالعرب أكثر الأمم تخلفاً وجهلاً وتباعداً وتباغضاً وتهاجراً وتدميراً... هذا نتيجة النفور برأسيه وسببيه (الكبر والمكر)؛ هو داء الأمم.

النفور خلق جاهلي يشكله الكبر والخوف، كالنفور من الآخر، النفور من البرهان، من المعرفة، من التفكر، من الأخلاق..الخ. والغريب أنه مع ذم القرآن الكريم للنفور؛ إلا أننا لم نسمع في حياتنا هذا اللفظ القرآني في درس ولا محاضرة ولا خطبة.. الخ، مع أنه جريمة في القرآن!
وهذا الغياب التام لكثير من ألفاظ القرآن فضلاً عن معانيها لهو دليل راسخ على هجرنا للقرآن الكريم؛ حتى أصبح كثير من موضوعاته غريب جداً!
فما هو النفور؟! وما معناه قرآنياً؟ وما هي أضراره على الإنسان؟ وكيف يؤدي لهلاك الأمم؟ وهل نرتكبه؟ وما دلائل ذلك؟! ولماذا لا نسمع به؟
..الخ
في البداية نذكر أننا نتحدث عن النفور المذموم؛ النفور من البرهان والإنسان والمعرفة.. الخ، وليس النفور الممدوح؛ كالنفور من الكذب والظلم والجهل، وهناك آيتان في آخر سورة فاطر؛ تبين فداحة النفور الجاهلي؛ وصفته وأسبابه ونتائجه.. الخ، تعالوا نتدبرهما معاً
الأولى:
﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّـهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِن جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَّيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَّا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا ﴿٤٢﴾ [فاطر]
هذه الآية تخبر عن العرب بشكل خاص؛ بأنهم كانوا يقسمون بالله لئن جاءهم نذير أنهم سيكونون أهدى من إحدى الأمم الماضية كالنصرانية واليهودية.. الخ، وهذا أولاً من التاريخ القرآني الذي لم تدونه كتب المغازي والسير؛ التي لم تستوعب التاريخ الثقافي للعرب قبل النبوة ولا بعدها؛ فلم تنقل مثل هذا؛ والآية تدل على أن العرب - قبل الإسلام - كان فيهم هذا النفور السلبي؛ سواء من الآخر/ العقل/ البرهان/ الأخلاق.. الخ؛ بدليل ( ...مازادهم إلا نفورا) والآية تدل أيضاً على أن هذا النفور مذموم؛ وأنه من اسباب بعثة الرسل (لإزالته طبعاٌ)؛ وأن العرب كانوا أمة نافرة من الآخرين بسبب الكبر والجهل، والنفور من الآخرين يعني النفور مما عندهم من إيجابيات؛ والنفور هو على الضد من التعارف الذي هو غاية قرآنية من غايات خلق الإنسان للشكر.
أي أن التعارف يؤدي تلقائياً لتراكم الخبرة الإنسانية والاستفادة منها في تفعيل النعم (حس / عقل/ قلب/..) وهو الشكر اللازم لإعمار الأرض؛ إعمار الأرض بالمعرفة والعدل والخير والسلام والعمران واستغلال ثرواتها في هذا السبيل؛ وليس في سبيل التسلط والظلم والتقاتل والتدمير.. الخ. هذا الإعمار الإنساني هو النتيجة الواجب ترتيها على الاستعمار الإلهي لهذا الإنسان في الأرض؛ خلق لنا ما في الأرض جميعاً للإصلاح لا للإفساد؛ وهذا يعني أن النفور من الآخر؛ وبالتالي من الأخلاق والمعرفة الإنسانية؛ سيحول دون التعارف السلمي المثمر للاستعمار الواجب الذي يريده الله؛ ولهذا ذم الله النفور؛ لأنه - كما سياتي في بقية الآيات - سببه الكبر؛ ويؤدي الى هلاك الأمم وتعطلها عن وظيفتها الطبيعية (الاستعمار في الأرض).
تصوروا لو أننا ننفر من الأمم مطلقاً؛ كبراً وخوفاً وجهلاً.. الخ؛ كيف ستكون مستشفياتنا وتعليمنا وحقوقنا وإنسانيتنا؟!
سنكون أكثر تخلفاً وظلماً.
ولكن ما سبب جريمة النفور؟ وما صفته؟ وما نتائجه؟
الإجابات في الآية التي تليها؛ رقم ٤٣ من سورة فاطر؛ فماذا تقول؟
﴿اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّـهِ تَبْدِيلًا وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّـهِ تَحْوِيلًا ﴿٤٣﴾ [فاطر]
الآية تتحدث عن صفتين :الاستكبار والمكر! فهل هما صفة للنفور؟ أو سبب للنفور؟!
إذا كانتا بدلاً فهي بيان له؛ وإن كانتا مفعولاً لأجله فهما سبب؛ في الإعراب يجوز الأمران؛ ولكن الأقرب أن قوله (استكباراً ...)؛ مفعول لأجله؛ أي أن سبب هذا النفور المذموم هو الاستكبار والمكر؛ فما النتيجة؟
النتيجة أن نسلك سبيل الأمم الهالكة؛ فهذه سنة الله؛ وليس لله تدليل خاص لنا؛ فكبرنا ومكرنا سيهلكنا كما أهلك من قبلنا؛ وهذا هو الواقع المرير؛ فالعرب أكثر الأمم تخلفاً وجهلاً وتباعداً وتباغضاً وتهاجراً وتدميراً... هذا نتيجة النفور برأسيه وسببيه (الكبر والمكر)؛ هو داء الأمم؛ والنبي صلوات الله عليه لم نستفد منه؛ بل زادتنا بعثته نفوراً ذمته رسالته؛ وكبراً حذرت منه؛ ومكراً ذمته؛ فهل ننتظر إلا سنة الله في من سبقوا؟
الهلاك ليس بالضرورة فناءً كلياً؛ فالأمم السابقة - التي أقسمنا أننا سنكون أهدى منها - لم تفنٓ وما زالت عايشة؛ وهي أكثر تفعيلاً لعمارة الارض؛ إنما المقصود بالهلاك, الضعف والجهل والتخلف والفساد في الأرض.. الخ؛ والقليل من الأمم حصل افناؤها؛ كثمود (فهل ترى لهم من باقية)؛ البقية بقوا؛ فلذلك أمرنا الله بالسير في الأرض حتى نرى عقوبة (النافرين المتكبرين الماكرين)؛ وكانوا أشد منا قوة؛ ماذا جرى لهم؟
﴿ أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ اللَّـهُ لِيُعْجِزَهُ مِن شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا ﴿٤٤﴾ [فاطر]
الله حذرنا أن نظن أننا سنعجز الله لقوتنا المادية في الماضي؛ فالله لا يعجزه شيء؛ وسيعيد المتكبر إلى الضعف والذلة؛ حتى لو كان قوياً ظاهرياً.
الاستكبار بالقوة المادية والظن بأن الله سيعجز عن اهلاكنا ظن سيء؛ سببه عدم معرفة روح القوة الحقيقية؛ وهي ضد ما ذمه الله من نفور وكبر ومكر؛ إذاً فما ظلمنا الله؛ ولكننا ظلمنا أنفسنا؛ تمادينا في النفور؛ ولم نبالِ بذم الله له؛ واستصحبنا التكبر الجاهلي والمكر السيء؛ فكانت النتيجة.
والطريق للخروج من هذا الضعف والذلة والهلاك.. الخ, أن نترك النفور = نألف الآخرين ونترك الكبر = نتواضع نترك المكر = ونتعامل بالظاهر والنية الطيبة.
لم آت بجديد؛ الفضل كله للقرآن؛ هو الذي كشف لنا أسباب انحطاطنا؛ وكل الذين حاولوا كشف أسباب (انحطاط المسلمين) أهملوا هذه الآيات أو جهلوها، القرآن هو الذي حذر سلفنا من النفور ووصفه؛ وأخبرهم بنتيجته = سنة الله؛ فنفر سلفنا من التحذير وأهملوه؛ وسبقونا لتشريع ديمومة الفساد وتبعناهم، الله أخبرنا بخطورة النفور ودوره في هلاك الأمم؛ لكن الاستكبار يمنعهم من الاعتراف؛ فما يزيدهم القرآن إلا نفوراً أيضاً:
﴿وَلَقَد صَرَّفنا في هـذَا القُرآنِ لِيَذَّكَّروا وَما يَزيدُهُم إِلّا نُفورًا ﴿٤١﴾ [ألإسراء]
ولاحظوا أن القرآن والنذير(النبي) زادهم نفوراً؛ مع ذمهما للنفور؛ لأن الناس يستدلون بهما في تأكيد الاستكبار؛ ويمكرون خدمة للدين في ظنهم! وما ذكره الله - من أن القرآن والنذير زادهم نفوراً - يدل على شدة مكرهم السيء؛ لأنهم قلبوا الجريمة إلى فضيلة؛ بل جعلوا الله ورسوله مشرعين للنفور! لاستكبارهم ومكرهم السيء؛ يستشهدون بالقرآن والنبي لتأكيد الكبر والتفاخر؛ وأنهم فقط أحباب الله؛ وأنهم الناجون؛ وأهل الجنة.. الخ؛ كل هذا كبر ومكر؛ وستجدونهم الآن يمكرون تلقائياً من هذه الآيات؛ ولن يعترفوا – مثلاً - بأنه غاب عنهم هذا الخلق المدمر (النفور)؛ ولن يعترفوا بنفورهم..
كبر ومكر سيء.
من اليوم أضيفوا لثقافتكم (جريمة النفور) واعرفوها؛ تلك الجريمة التي لم يذمها من قبل فقيه ولا داعية ولا واعظ!
القرآن من يعلمكم لا الناس.


  • المصدر : http://www.almaliky.org/subject.php?id=1019
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2015 / 01 / 30
  • تاريخ الطباعة : 2021 / 12 / 8